الأسواق شيء، والاقتصاد شيء آخر..
في كتابهِ (Talking to my
daughter about the economy) أراد Yanis Varoufakis وهو
اقتصادي يوناني-استرالي، أن يوصل فكرة مهمة، خصوصا للشباب والجيل الناشئ، أن
الاقتصاد أهم من أن يترك للاقتصاديين. وبصفته أستاذًا
للاقتصاد في جامعة أثينا، آمن بأنه إذا لم يستطع مدرّس الاقتصاد أن يشرحهُ بلغة
يفهمها اليافعون، فإن ذلك كله لا جدوى منه؛ لأنه يجهل نفسه ولا يستطيع استخدام هذا
العلم بأوضح أشكاله. لذا، وفي هذا الكتاب حاول أن يجاوب على أسئلة ابنته بأكثر
الطرق بساطة حول الاقتصاد، والأنظمة المالية، ووسائل الإنتاج، ...
في هذه التدوينة،
أود أن أذكر ملخصا حول ما جاء في الفصل الأول من الكتاب: (Why So Much
Inequality?)، وبالتحديد ابتداء من العنوان الفرعي الثاني: (Markets are
one thing, economies another)، الذي يقول بأن السوق والاقتصاد شيئان مختلفان، في محاولة
للتفريق بين الاثنين وتوضيح معنييهما.
ذكر الكاتب بأن
الناس في مجتمع الرخاء الغربي، سيقولون لك غالبا أن البلدان الفقيرة فقيرة لأن اقتصاداتها
ضعيفة وأن الفقراء في المجتمع هم فقراء لأنهم لا يملكون أي شيء يستطيعون بيعه ويريده
الآخرون حقًا. معنى ذلك باختصار: ليس لديهم ما يقدمونه للسوق. وأحد الأخطاء
الشائعة هي اعتقاد الكثيرين بأن السوق والاقتصاد هما الشيء ذاته. هما في الواقع
مختلفان، ومع ذلك تجمعهما رابطة وثيقة.
ما هي الأسواق بالضبط؟
السوق كما نعلمها: مكان التبادل. نذهب إلى محلات التجزئة، نملأ العربة، وندفع
للمتجر. هكذا نجد ما يقدمه البائع والمشتري للسوق من خلال التبادل: المنتج والمال.
وأعود هنا إلى ما ذكرته في الفقرة السابقة حول الفقر لعدم توفر ما يقدمه للتبادل،
على عكس الثراء أو الوفرة التي هي جاهزة للتبادل وجعل السوق أكثر تنافسية.
والتبادل عملية قديمة جدا، بدأت بمقايضة الطعام، ثم المعادن، وهكذا حتى وصلنا إلى
عصر النقد والعملات المشفّرة.
معنى ذلك أن
الأسواق موجودة منذ القدم كونها منصات تبادل، لكن هذا ليس اقتصادا حقيقيّا؛ فحتى يتحقق
الاقتصاد، كانت هناك حاجة إلى شيءٍ ما، يجعلنا قادرين على تجاوز مجرد التبادل من الموجود
والمتاح، ألا وهو: القدرة على إنتاج ما لم يكن ليوجد بدون عمل بشري.
يمكننا أن نفهم
ذلك بالمقارنة بين الصناعة قديما وبين الذكاء الاصطناعي المبرمج، وكيف تطورت
عمليات الزراعة التقليدية لتصل إلى تقنيات الري بالتنقيط، وبين المراسلات اليدوية
والجهد البشري وبين البريد الإلكترونيّ والهاتف، ...
هكذا انتقلنا
بقفزات كبيرة من استهلاك ما توفره البيئة لنا بشكل طبيعي (المعادن، الطعام، الجهد
البشري،...) إلى شيء مبتكر ومحدّث، نستطيع أن نسميه: الاقتصاد. وهو كما يصفه
الكتاب: (لحظة تاريخية)، لأننا بذلك أصبحنا قادرين على خلق منتجاتنا الخاصة
لاستخدامنا الشخصي، وربما لاحقا عرضها في السوق، وهو الأمر الذي يجعل من المبتكرين
ورواد الأعمال أثرياء.
وعلى الرغم من
كونها لحظة تاريخية، لكنها بالنسبة للكاتب لا تستحق التمجيد؛ لأننا لم نتعلم تحديث
الاقتصاد فقط لأننا نرغب بالابتكار! بل لأن الحقيقة في الأساس تقوم على أن الإنسان
- على سبيل المثال - بدأ بتعلّم الزراعة في حياته لأنه كان يتضور جوعا، وما إن يجد
طعامه ويصبح المصدر واضحا، فإن استهلاكه يزيد، وبذلك يصبح المصدر مهددا بالنفاد.
إلا أن ابتكار طرق الزراعة الحديثة، ساعدت على إيجاد مصادر أخرى، خصوصا بوجود التكنولوجيا
التي هي داعمة لأكبر اقتصادات العالم. ولولا هذا التطور لمات البشر جوعا، حتى لو
ظل اعتمادهم على ما وُجِـدَ في السوق وبالتبادل؛ لأنه لن يوجد ما يكفي للجميع،
وبهذا يكون تطوير الاقتصاد حاجة مهمة تُبنى على أساسها الدول المتقدمة، وتحقق في
النهاية رغبة الإنسان بالبقاء، على مر العصور.
كتابة: حميدة
بنت محمد بن صالح العجمية
25 يونيو 2021م
_________________________________________
مراجع:
Talking to my daughter about the economy. Varoufakis, Yanis. (2013)

تعليقات
إرسال تعليق