هل يمنحُ الاختلافُ النجاحَ دائمًا؟
مرحبًا يا أصدقاء، في هذا العالم الكبير والمتوسع، تدفعنا الكثير من الأمور للنمو المتواصل، ولا يكفي ذلك وحده لضمان النجاة، بل إننا بحاجة أيضًا للحفاظ على ذلك النمو ونتائجه بشكل مستمر. هذه هي الفكرة الأساسية التي يستند عليها كتاب (Competition Demystified: A Radically Simplified Approach to Business Strategy)، والذي أحاول تلخيص فصوله الثمانية عشر في هذه التدوينة.
دعونا نفكر
قليلا في كمية الشركات والمؤسسات التجارية الموجودة حولنا، كم من هذه الشركات
تسيطر على القوة الشرائية، ومن منها يتذكره الناسس أولا عندما يذكر أحدهم سلعة
معينة، وما هي مصادر هذه القوى يا ترى؟ كل شيء في عالم التجارة والمال يسير وفق
خطط دقيقة؛ لإنجاح هذا الازدهار، والمحافظة على استمراره.
هل تذكرون
الأيام التي كنا نقرأ فيها الجرائد الورقية ونعرف الأخبار من التلفاز؟ ثم تم
استبدالهم بمواقع التواصل الاجتماعي؟ هل تتذكرون الهواتف القديمة ذات الأزرار، وكيف
تم استبدالها بالهواتف الحديثة ذات الشاشات اللمسية؟ كل ذلك لم يحدث في لحظة واحدة، بل
ضمن أشهر وسنوات من البحث والعمل على كسب المكانة السوقية، بل والاستمرار في
حيازتها، في محاولة للتغلب على المألوف، وصناعة الجديد.
حاول
المؤلفان إيضاح فكرة الميزة التنافسية (Competitive advantage): ذلك أن الشركات التي تملك
حواجز دخول قوية (Barriers to entry)، القدرة على إدارة العرض (Supply)، والمقدرة
على جذب العلملاء وإبقائهم (Demand and customer captivity)، واستخدام الحجم لتقليل
التكلفة (Economies of scale)، والحصول على عائد مرتفع على رأس المال المستثمر (ROIC)، تستطيع
المحافظة على حصتها السوقية، والبقاء كلاعب أساسي في ذلك القطاع.
بالنسبة لحواجز
الدخول، يميز الكتاب بين الكفاءة
التشغيلية وبين الاستراتيجية التي تبني حواجز دخول قوية. حواجز الدخول هي أحد القوى
التي تسمح للشركات بتحقيق أرباح تتجاوز تكلفة رأس المال. في غياب هذه الحواجز،
يصبح السوق ساحة للمنافسة، فتتآكل الأرباح تدريجيًا. لابد من فهم القطاع الذي يتم
العمل فيه، ودراسته، لفهم ما إذا كانت الشركة محمية، أم هي بحاجة للحماية.
أما عن العرض والطلب، فلا يكفي أن نقول بأن هذا
المنتج مميز، وفريد من نوعه، خاصة إذا استطاع المنافسون تقليده! يشبه الأمر تماما
سوق أشباه الموصلات (Semiconductors)، كبار الشركات الأمريكية في مواجهة الصين،
لم يعد ذلك المنتج حصرًا على شركات معينة، بل ربما يظهر منافسون آخرون، فهموا
اللعبة كلها، وأصبح الآن باستطاعتهم خلق منتجات مشابهة بميزات أفضل. أما بالنسبة
للعملاء، فتكاليف التبديل المرتفعة تجعل العميل يتردد في تجربة منتج جديد حتى لو
كان أرخص. الميزة الحقيقية هي التي تجعل العميل يفضل شركتك حتى مع وجود منافسين كفؤ.
كان الفصلان الثالث - الذي يتحدث عن قدرة
استخدام الشركات حجمها الكبير لتقليل التكلفة كميزة -، والسادس - الذي يتحدث عن
الشركات الصغيرة التي تعمل في قطاعات صغيرة نسبيا، يجعلها مميزة - مثيران للغاية! ففي الفصل الثالث، تستطيع شركات التجزئة مثل وال مارت (Walmart) استخدام
حجمها الكبير لتقليل التكلفة، دون أن يتأثر ربحها، خاصة أنها تملك قاعدة عملاء
أوفياء كبيرة، وحصة ضخمة في السوق. لكن على العكس تماما، في الفصل السادس، يوضح المؤلفان،
أن الشركات التي تسيطر على قطاع صغير ذا اهتمام خاص بشيء محدد (Niche) يجعل الشركة
ذات ميزة تنافسية، خصوصا إذا امتلكت الحصة السوقية الكبرى في ذلك المجال. الأمر
الأخر، هو أن على الشركات الحذر، خصوصا تلك التي تعمل في القطاعات المحددة
والخاصة، أن إضافة مزيد من الأنشطة إلى الشركة التي لا تخدم نشاطها الأساسي، حيث
تمتلك ميزتها التنافسية، قد يؤدي إلى فقدان تلك الميزة. لذا ينبغي دراسة أي قرار
قبل الإقدام على خطوة قد تدمر كل شيء.
الأنشطة المحلية والمشاريع الصغيرة، قد تمتلك
ميزة تنافسية أفضل من أكبر الشركات. لنسترجع مثال وال مارت: يعود نجاح وال مارت في
بداياتها إلى سيطرتها على وفورات الحجم في مناطق جغرافية محددة في البداية، فركزت
على الهيمنة الإقليمية في التوزيع والإعلان قبل أن تفكر في التوسع الوطني، حتى
تراجعت ربحيتها عندما توسعت في مناطق لم تمتلك فيها كثافة كافية لمراكز التوزيع.
الدرس المستفاد هو أن القوة المحلية غالبًا ما تكون أكثر استدامة من الانتشار
العالمي الهش. الهيمنة في ساحة صغيرة أفضل بكثير من المنافسة الضعيفة في ساحة
كبيرة.
إذًا، كيف نستطيع تقييم الميزة التنافسية
وتحليلها؟ أولا، يبدأ تقييم الميزة التنافسية برسم خريطة دقيقة للصناعة لتحديد
القوى الهيكلية المؤثرة في كل قطاع. إن العلامة الأولى والأهم لوجود ميزة حقيقية
هي استقرار الحصة السوقية بين كبار اللاعبين لفترات زمنية طويلة. أما العلامة
الثانية فهي تحقيق عوائد على رأس المال المستثمر تفوق المعدلات الطبيعية السائدة
في تلك الصناعة. الاستمرارية أهم من المستوى: ميزة متوسطة لكن ثابتة، أفضل من ميزة
عالية مؤقتة. يمكن دائما العمل على رفع المتوسط إلى الأعلى. كما أن فهم الإدارة
ونهجها في قيادة الشركات مهم جدّا، الإدارة قد تعزز الميز التنافسية، وقد تضعفها
بقرارات استراتيجية خاطئة.
في النهاية، ليس كل نمو أو ربح هو ميزة تنافسية، لذا يجب أن يتم البحث دائمًا عن السبب الحقيقي الذي يمنع المنافسين من اقتطاع حصة الشركة. إن هذا التقييم الدقيق يحمي الشركات من الانجراف وراء توسعات وهمية لا تستند إلى قوة تنافسية حقيقية تحمي أرباحها.
حميدة
17 يناير 2026م
تعليقات
إرسال تعليق