المال في أرض السادة المهذبين

في مقالهِ (مفارقات الأخلاقيات) للاقتصادي والمفكر الصيني (ماو يوشي)، تحدّث عن الدور الذي تلعبه الأسواق أو مراكز التبادل في المحافظة على تناغم المجتمع وتعاونه وتنظيم مصالحه. ماو يوشي هو رئيس معهد يونيرول ومؤسسه، وقد درّس الاقتصاد في عدة جامعات، بجانب تأليف العديد من الكتب والمقالات، وهو معروف بكونه مناصرا للحرية والأمانة والعدل. قال ذات مرّة حين كاد يموت جوعا: "إذا لم نجد مكانا نشتري منه اللحم فينبغي أن ترتفع أسعار اللحم!"، وهذا القول يجعلنا نعود إلى مبادئ الاقتصاد الجزئي، حيث تتحدد أسعار المنتجات والخدمات بناء على العرض والطلب، فإذا كان العرض على منتج ما قليلا، وعليه طلب كبير دون قدرة المنتج على احتوائه، فإن أسعار المنتج ترتفع، فيحصل عليها من بحوزته المال الكافي، وبهذا نصل إلى حل مناسب. لكن هل هذا عادل؟

في مقال مفارقات الأخلاقيات، قام ماو يوشي بالحديث عن رواية (أزهار في المرآة)، التي تقدّم شخصا يدعى (تانج آو)، شخص يضطر للسفر لعدة بلدان بسبب نكسة في حياته، وكان أول بلد يزوره هو (أرض السادة المهذبين)، وهي المكان الذي يعاني فيه الناس – عن قصد – ليضمنوا إفادة الآخرين. فيقومون مثلا بتقديم بضاعة قيّمة بثمن بخس، كأن يقوم ناظر مزرعة بالمرور على بائع، ويقول له بأن بضاعته ثمينة لكنه يبيعها بثمن زهيد وهو لا يشعر بالعدل؛ لأن الأمر يبدو وكأنه استغلال للبائع، فيرد البائع بأن مجيء ناظر المزرعة – وهو المشتري – منّة يسديها إليه، مما جعل ناظر المزرعة يشتري نصف ما كان يرغب به.

هناك أمرٌ ما يجعلنا نفكر مليا، فحين قرر الطرفان معًا التنازل عن نصيبهما في الربح/الفائدة أو يصرّان أن نصيبهما من الربح كان مرتفعا، ينشب خلاف؛ وذلك لأن كلا الطرفين يرغبان بإفادة الآخر. ولكن، هذا عكس ما يحصل في حياتنا الواقعية؛ لأن أغلب خلافاتنا تنشأ من سعينا وراء مصالحنا الخاصة، إنما في أرض السادة المهذبين، ينشأ الخلاف نتيجة التفكير بالطرف الآخر.

في الحياة الواقعية تتم الصفقات التجارية بالتفاوض حول وجود سعر وجودة مناسبين لكلا الطرفين، فكلاهما يرغب بالوصول إلى حالة التوازن، أو ما يعرف في الاقتصاد بـ: (Equilibrium)، وهي حالة الرضا والفائدة القصوى بين الأطراف، على عكس لو كان كل طرف يسعى إلى مصلحة الطرف الآخر، فإنه لن يكون هناك توازن أبدًا. لذا يمكننا أن نستنتج أن البشر يستطيعون التفاوض والوصول إلى نقطة نهاية حين يسعون وراء مصالحهم الخاصة، فالفائدة من المقايضة أو العمليات التجارية هي تحفيز الدافع لتحسين حياة الفرد نفسه، وتحقيق رفاهية أعلى، وبدون وجود هذا الدافع لماذا سيختار الفرد أن يعمل ويكدح، وهناك من يسعى لمصلحته وربحه أكثر منه؟

توجد عدة سيناريوهات يمكن طرحها، فإذا زرع الفلاحون دون التفكير في العوائد، وقص الحلاقون الشعر بدون مقابل، وخاط الحائكون الملابس دون انتظار الربح، هل سيشكل هذا مجتمعا مثاليا وعادلا؟

بالاستعانة بنظرية (Recourses allocation) أو تخصيص الموارد، يمكن لكل فرد في المجتمع أن يحصل على الخدمات العامة المجانية بالتساوي، ولكن للخدمات الخاصة فإن على الفرد أن ينفق كي يحصل على الرفاهية الإضافية بمقدار ما دفعه فقط، وهو ما يشكل العدل نسبيا لدى المجتمع. لكن لنفترض بالعودة إلى أمثلتنا السابقة، أن الحلاق يقوم بعمله مجانا، ففي الوقت الذي يحلق فيه الرجال شعرهم كل ثلاثة أسابيع، فإنهم سيأتون للحلاق كل أسبوع، والأمر ذاته بالنسبة للفلاح حيث سيأخذ الناس أكثر من حاجتهم؛ لأن الزرع بلا قيمة مادية، وهكذا يصبح الضغط على الخدمات المقدمة كبيرا، واستهلاك الموارد لتقديم الخدمات أكبر.

بذلك سنكون بحاجة للمزيد من الحلاقين والفلاحين والخياطين، وهو ببساطة ما يجعلنا غير قادرين على قياس قيمة العمل وجودته، بل إننا لا نستطيع تحقيق العدل للذين يعملون ليقدموا هذه الخدمات، وهذا يقودنا إلى نتيجة مهمة، وهي: إن المال مقابل الخدمات يحقق أقصى استفادة من الخدمات المقدمة، وأن المحافظة على الرغبة بالمال، والربح، والقناعة، والمشاركة، يخلقان مجتمعا كفؤا وإنسانيا معا.

 

_________________________________________________

مراجع مهمة:

أخلاقيات الرأسمالية، توم جي بالمر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى، 2013

 

 

كتبه: حميدة بنت محمد بن صالح العجمية

15 مايو 2021م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل يمنحُ الاختلافُ النجاحَ دائمًا؟

مفارقة الازدهار

ميزانية الدولة: التخطيط والواقع (دليل عملي)