الجري في سباق الدّين العام..
مرحبًا يا أصدقاء..
في الفصل السادس عشر من كتاب (رأس المال في القرن الحادي والعشرين)،
تحدّث الاقتصاديّ توماس بيكيتي في الصفحات الأولى عن مسألة الدّين العام، وهو أمر
مهم لا يخرج من أفكار الاقتصاديين ولا خطط الحكومات وسياساتها المالية.
بشكل عام، تستطيع الدول تمويل عجزها أو نفقاتها عن طريق الضرائب، أو
الديون. وفي الاقتصاد، تبدو الضريبة أفضل من ناحية الكفاءة، وأحيانا العدالة. لكن
الدّين بالرغم من توفيره للسيولة اللحظية، إلا أن مشكلته هو أنه واجب السداد،
بقيمته ومع فوائده، وهذا دائما في صالح الجهة التي تقرض الدولة، وهم نفسهم الذين
كان يجب فرضُ الضرائب عليهم، حتى إن كانت مؤسسات داخلية خاصة في الدولة.
مع ذلك، هل نستطيع القول أن كل الديون سلبية ومستنزفة لثروة الدولة؟ وكيف يمكن تفسير الدين بالناتج المحلي الإجمالي؟ وما هو دور البنوك المركزية في الحفاظ على نسب ديون آمنة في سباق الدّين العام؟
في القرن الحادي والعشرين، هناك الكثير من الدول الغنية التي تصل نسبة
الديون فيها إلى 90 - 100% من الناتج الإجمالي المحلي، وقد تتعدى ذلك بكثير. في
بريطانيا مثلا، ارتفعت نسبة الدين العام للتجاوز مقدار سنتين من الدخل القومي، مرة
بعد الحرب النابليونية، ومرة بعد الحرب العالمية الثانية. وفي الدول الغنية يرتفع
الدين العام كما أسلفنا إلى 90% تقريبا، مما يجعلها مَدينة بشكل كبير، ويصل مستوى
الدين العالم للدول الفقيرة نحو 30%. إذن، الأمر برمته متعلق بمسألة توزيع الثروة
وتنظيم رأس المال، خصوصا بين القطاعين العام والخاص.
هل كل الديون سلبية ومستنزفة للثروة؟ في الواقع، لا يمكن أن نطلق على
كل الديون بالسلبية، فهي كما أسلفنا أداة مالية تستخدمها دول العالم لسد
احتياجاتها، ولولاها قد لا تنجح الدول في تسريع التنمية وتحقيق الخطط الاستراتيجيّة.
على سبيل المثال، بحسب إحصائيات موقع (Statista)، فإن نسبة الدين القومي إلى الناتج الإجمالي المحلي في اليابان
وصلت إلى 266.18% في عام 2020م، بيد أنها تجاوزت نسبة 100% منذ نهاية التسعينات. ماذا
يعني 100% نسبة الدين من الناتج الإجمالي المحلي؟ أي إن الدولة في حال رغبتها
بسداد الدين كاملا، فإنها ستحتاج لتقديم ناتجها الإجمالي المحلي كله لتسدّه. ومع
ذلك، هذا الخيار غير معمول به؛ لأنه لا يمكن للدولة تقديم كل إيراداتها، دون
الإنفاق على المصاريف التشغيلية ورؤوس الأموال لخدمة المؤسسات الحكومية والشعب والمساهمة
إلى جانب القطاع الخاص.
ألا تبدو 266.18% كبيرة بعض الشيء؟ إنها كذلك، وقد يكون مبالغ فيها،
لكن اليابان أحد الدول الرائدة في العالم من حيث الصحة والتعليم والترفيه، ومصنفة بحيازتها
على رابع أكبر حصة في الناتج الإجمالي المحلي العالمي. لذا، فهذا نوع من الضمان
الذي يجعلها قادرة على سداد ديونها الكبيرة، التي تتعدى ألف ترليون ين ياباني. ومع
ذلك، لا تزال مستويات الديون في حاجة للمراقبة والتقييم المستمرين، لأن وقوع
الدولة في أزمة مالية قد يشكل خطرا على المدينين، ويؤدي إلى الإفلاس.
يتم بالعادة تخفيف الدين العام بالضرائب، والتضخّم، والتقشّف. كان
هناك اقتراح في كتاب (رأس المال في القرن الحادي والعشرين)، لمحاولة تخفيض الدين
العام في بريطانيا إلى الصفر، وكان المقترح أن يتم خصخصة جميع الأصول الحكومية.
أمر غريب، صحيح؟
حسب رأي الكتاب، فإن حصيلة بيع كل المباني الحكومية والمدارس
والجامعات والمستشفيات والشرطة والبنى التحتية ستسد كل الديون الحكومية تقريبا.
لذا، سيستطيع الأكثر ثراء أن يصبحوا الملاك المباشرين للمستشفيات والمدارس وأقسام
الشرطة كونهم ينتمون للقطاع الخاص أو الحر، عوضا عن كونهم مستثمرين محدودين. وبذلك
سيتوجب على الحكومة أن تدفع أجارًا لاستخدام هذه الأصول طالما أنها ليست المالكة. هذا
الحل كان أكثر الحلول رفضا وغير منطقية أيضا، فحتى تستطيع الدولة تحقيق الاستدامة،
عليها تحمل مسؤولية التعليم والصحة والأمن ورعايتها، وذلك بدفع تكلفتها التشغيلية
ومصاريفها عوضا عن دفع أجار شهري لها.
وبما أن هذا الحل مرفوض وغير قابل للتطبيق، جاءت فكرة أن الضريبة على
رأس المال الخاص بتدرّج هي الأنسب، حيث يقتطع ما نسبته 15% من رأس المال الخاص
الذي يمتلكه الـ 10% الأغنى من السكان، والذي سيساعد الدولة على سداد ديونها بتوفر
السيولة المناسبة.
التضخّم يساعد على تخفض قيمة الدين، فإذا ارتفع التضخّم من 2% إلى 5%،
ففي خلال عدد من السنوات ستنخفض قيمة الدين الحقيقية، كما حدث في فرنسا وألمانيا
اللتين لجأتا إلى رفع معدلات التضخم نحو 13% و15% بالترتيب بين عامي 1913 و1950م.
وهو ما مكنهما من إعادة إعمار البلاد دون حمل همّ ديونها عديمة الأهمية مع معدلات
تضخم مرتفعة كهذه.
وبالحديث عن التضخم، فإن دور البنوك المركزية مهم لمعالجة مشاكل الدين العام، حيث إن عليها الاهتمام بالمحافظة على مرونة نسب الفائدة والتضخم والنمو وغيرهم، الأمر الذي يؤمن الاستقرار الاقتصادي للبلد. حيث إن الدور الأساسي لها هو ضبط حركة الأموال وإعادة توزيعها، وكذلك بالحرص على توفير الاحتياطيات الكافية والسيولة المناسبة، من خلال وجود احتياطيات من العملات الأجنبية، و مخزون المعادن الثمينة كالذهب.
كتابة: حميدة بنت محمد بن صالح العجمية
4 مارس 2021م
___________________________________
مراجع مهمة:

👏👏 very insightful
ردحذفرائع
ردحذف