افتتاحية
مرحبا يا أصدقاء!
ذُكِـرَ في مقدمة كتاب (جون مينارد كينز) لمؤلفه روبرت سكيدلسكي بأن
رؤية كينز الأساسية قائمة على أننا لا نعلم ما سيحدث في المستقبل، ولا يمكننا
التنبؤ به. وهذا في الواقع، يشبه إلى حد كبير ما يحصل في حياتنا اليومية. والحديث
عن مينارد كينز يجعلني أتذكر سعيه الدؤوب في العمل على الاقتصاد لوقت طويل، وفي
أنه كان شخصيًا: أكثر من مجرد اقتصادي!
لكن قبل ذلك، طرح ديفيد أوريل وبورين فان لون في كتابهما المُعَنوَن
بـ(الاقتصاد) الصادر عن منشورات المتوسط، أن الاقتصاد مرّ على العديد من الفترات
والمفكرين، بدأ ذلك خلال سكّ أولى العملات من المعادن التي اكتشفت في القرن السادس
قبل الميلاد تقريبا، وانتقل إلى فكرة فيثاغورس التي تفيد بأن كل شيء يمكن اختزاله
في رقم، ثم إلى جمهورية أفلاطون بفكرة الإدارة المثلى للممتلكات، وعند أرسطو
باعتقاده أن الغرض الوحيد للنقود هو المبادلة. وبينما مر العالم على العصور الوسطى،
وصعود الإسلام، وظهور الجامعات، وارتفاع الامبراطوريات، تغير حال الاقتصاد بسبب
تغيّر المبادئ، فبعض العصور فضّلت الدين على الفكر الاقتصادي، وبعضها اعتقد أن
الثروة محدودة في العالم، وبعضها زعم أن الاقتصاد لعبة محصلتها صفر!
ثم توالى بعد ذلك ظهور العلماء والاقتصاديين، كان أشهرهم: آدم سميث
مؤسس الاقتصاد الكلاسيكي، ومؤلف كتاب (ثروة الأمم). ويضم عصر الاقتصاد الكلاسيكي
ديفيد ريكاردو صاحب كتاب (مبادئ الاقتصاد السياسي)، والذي عمل كوسيط في البورصة في
بداياته ثم تقاعد منها، وقد فاز بِـرِهَان على خسارة نابليون في معركة ووترولو.
كما كان هناك اقتصاديون آخرون في الفترة ذاتها، وهم: جون ستيوارت ميل، وتوماس
مالتوس.
تلى ذلك عصر الرأسمالية، حيث اعتقد كارل ماركس أن الناس طبقـتان:
العمال مقابل الرأسماليين. وقد فصّل في كتابه المعروف (رأس المال) أن هناك فجوة
كبيرة بين القيمة التي ينتجها العمال، وبين ما يتلقونه من أجور. وهو أول من قدم
تحليلا حول الازدهار والكساد في الدورة الاقتصادية.
تطور الاقتصاد بعدها وصولًا إلى الاقتصاد الكلاسيكي الجديد على يد
ألفريد مارشال عالم الرياضيات الذي تحول إلى اقتصاديّ لاحقا. توالت بعدها النظريات
والشروحات بين فيشر ونظريته حول احتساب معدل الفائدة، والنظرية الكمية للنقد،
وغيرهما.. وصولا إلى جون مينارد كينز الذي عمل في الحكومة البريطانية أثناء الحرب
العالمية الأولى، ليؤسس بعدها الاقتصاد الكينزي، أو الاقتصاد الحديث الذي يطمح
للوصول إلى التوازن على المدى البعيد حتى في فترات الكساد، تماما كما تمر الأمواج
العابرة المؤقتة على المحيط الكبير. وفي عام 1944م، تأسس صندوق النقد الدولي
والبنك الدولي، حيث أشرف كينز بنفسه على أجزاء كبيرة من تكوينهما.
هكذا هو الحديث عن الاقتصاد: شائق وشائك، لكنه وبلا شك ذو متعة
وفائدة، ورحلة التعلّم فيه غير منتهية، بل ومتناهية إلى أبعد الحدود.
أنشأتُ هذه المدونة، في الأول من يناير عام 2021م، كي تكون أرشيفيَ
الشخصي في رحلة البحث والاكتشاف المستمرين في الاقتصاد، أكتب فيها وأدوّن أبرز
الملاحظات، وألخّص أهم الدروس التي أتعلمها؛ كي تظلّ في ذاكرتي لوقت أطول،
ولأسقطها على الواقع الذي نعيشه، فهذا هو الأهم؛ لأن الاحتفاظ بالمعرفة دون تحليل
وتطبيق، لا يؤتي الفائدة الحقيقيّة منها.
أردت لهذه الرحلة أن تكون واضحة وصريحة، يمكن لمن مرّ عليها أن يتعلم منها، وأن يعرف منها -ولو بشكل بسيط- عن الاقتصاد وأوجهه المختلفة. وبينما يستمر كلٌّ أحد في رحلته الخاصة، لا يجب أن ننسى توثيقها، لأننا نتذكر ما ندوّنه، أفضل مما نقوله، ولو كان بصوت عالٍ.
حميدة
1 يناير 2021م
تعليقات
إرسال تعليق