العملات المشفّرة: مستقبل مبهر أم فقاعة متضخّمة؟
..مرحبا مجددًا
في هذه التدوينة، نتحدث باختصار عن بعض نتائج البحث المستمر حول تطورات التكنولوجيا المالية، تحديدا ما يثار حول العملات المشفرة (Cryptocurrencies) عن كونها المستقبل المرجو، أو الفقاعة المتضخّمة والوهم. وأشارككم هنا أيضا بعضا من نتائج آخر بحث دراسي قمنا به، بالبحث عن العملات المشفّرة ومنصات التبادل الرقمية.
مصطلح العملات المشفّرة شائع مؤخرا ومنتشر بشكل كبير في ساحات التداول
وبين الدارسين والمحللين، وتكاد لا تخلو مواقع التواصل الاجتماعي في الصفحات
الإخبارية الاقتصادية من أخبار عاجلة وتحديثات حول هذه المواضيع. وكما هو معروف،
فإن الكثيرين تنبؤوا بمستقبل العملات المشفرة، وقالوا أنها ستلغي مركزية البنوك، وستسهل العمليات التجارية والمالية ضمن نظام محكم بربط الأطراف المستفيدة مباشرة دون الحاجة لطرف مصرفي، وستعطي الكثير من
الفرص للربح في المحافظ المالية رغم المخاطر، لتكون بذلك جزءا مهما من النظام المالي العالمي. لكن هناك فئة أخرى زعمت أن العملات
المشفرة فقاعة تستمر بالتمدد، وستنفجر يوما ما، مخلفة ورائها طوفانا من الخسائر
الاقتصادية والمالية. إذا تخيلنا أن العملات المشفّرة فقاعة فعلا، وإذا كان
المستثمرون يصدقون ذلك، ويؤمنون بالخسارة القادمة، فإن كل هذا قد ينتهي بما يشبه
أحداث أزمة 2008م. إذن، إذا افترضنا مصداقية مزاعم عدم نجاح العملات المشفرة، فلماذا
قد نعيد نفس الخطأ؟
لفهم ذلك كله، نحتاج أولًا أن نعرّف العملات المشفرة، وأن نتبع
تاريخها منذ إنشائها وحتى الآن، ثم نعرج على خصائصها، وأخيرًا المسائل القانونية
المتعلقة بها.
1-
ما هي العملات المشفّرة؟
تعد العملات المشفرة أصولا رقميّة، وهي إحدى نتائج التطور المستمر في
نظام Blockchain))، حيث لا توجد عادة في شكل مادي ملموس، ولا تصدرها سلطة عليا ولا
البنوك المركزية، وبناء على ذلك يقوم عملها في الأساس على اللامركزية بدلاً من تعقيدات
الأنظمة المصرفية المركزية والعملة الوطنية. واستخدامها إلى جانب التداول يكمن في
كونها إحدى وسائل التبادل أو الدفع، حيث يتم تسجيل ملكية العملة وتخزينها في قواعد
البيانات المحوسبة لتأمين سجلات المعاملات في النظام، والتحقق من نقل ملكيتها بين
المبادلين بسهولة.
أكثر ما تعرف به العملة الرقمية المشفّرة هو التداول، فغالبا ما يتم
تداولها في تطبيقات التداول المعروفة، التي تعتمد على مبدأ الفرق بين أسعار الفتح
والإغلاق، والتي بدورها تعطي للشخص جزءا من أرباح الصفقة؛ لأنه لن يستطيع تحمل
أسعارها المرتفعة. نطرح على سبيل المثال البتكوين (Bitcoin)، وهي أشهر العملات المشفّرة وأفضلها أداءً من ناحية نمو أسعارها
الملحوظ وقيمتها السوقية، حيث تخطّت حاجز 26,000$ في عام 2020م، بمعدل نمو يصل إلى 170% منذ بداية السنة. (المصدر: CNBCArabia)
2-
تاريخ تطور العملات المشفّرة
في موقع فوربس (Forbes) التابع لشركة فوربس العالمية المختصة بالحديث عن الاقتصاد وشؤونه،
نُشِر مقال عنوانه (A Short History of Bitcoin and Cryptocurrency Everyone Should Read) كُتِب بواسطة Bernard Marr، ويتحدث فيه عن تاريخ
العملات الرقمية المشفّرة منذ نشأتها إلى عام 2017، نستعرض هنا
باختصار أبرز ما ذُكر فيه. خلال الفترة ما بين عامي 1998 – 2007م، حصلت بعض
المحاولات من أجل صناعة عملة رقمية، بنظام مشفّر ومؤمن، وتم العمل على ذلك لكن تلك
العملات لم تتطور أبدا، وبناءً على ذلك، تعتبر البتكوين (Bitcoin) أول عملة رقمية تم إنشاؤها في عام 2009م. وفي العام
التالي كانت البتكوين متاحة للعامة، حيث تم البدء بعمليات استخراجها، وتسجيلها،
وتوثيقها في السجلّات، ولم يكن يتداول بها بعد. وفي عام 2010م تم وضع قيمة
للبتكوين، تمكّن المتداولين في الأسواق من معرفة قيمتها ووزنها كأحد الأصول في
محافظهم المالية. في ذلك الوقت، يحكى أن رجلا اختار أن يبادل 10,000 قطعة من
البتكوين مقابل علبتي بيتزا، والمثير للذكر أنه لو اختار الحفاظ على تلك القطع،
لكانت قيمتها اليوم أكثر من 100 مليون دولار أمريكي!
وفي الفترة بين عامي 2010 – 2013م، بدأت العملات المنافسة تظهر، بشكل يحاكي تطور العملة المشفّرة
الأولى، حيث شهدت البتكوين ارتفاعا في أسعارها وصل إلى 1000$ في ذلك الوقت،
لكنه ما لبث حتى سقط إلى 300$ في 2013م، وخسر الكثير من المتداولين أموالهم جراء سقوط سعر البتكوين.
وفي عام 2016 – 2017م، ظهرت الإيثريوم (Etheruem)، وهي أشد المنافسين للبتكوين، وكادت أن تحتل مكانها شهرة، لكنها لا
تزال تأتي في المركز الثاني بعد البتكوين، من ناحية قيمتها السوقية وأدائها العام.
وبحسب المعلومات الواردة في موقع Reuters))، فإن القيمة
السوقية للعملات المشفرة ارتفعت لتصل إلى ترليون دولار أمريكي بحسب إحصائيات شهر يناير 2021م. هناك أيضا عملات مشفّرة كثيرة يزيد عددها عن 2000 عملة، وهناك الكثير من الدول والأطراف التي تلجأ لصنع عملات مشفّرة خاصة بها.
3-
خصائص العملات المشفّرة
تعرف العملات المشفّرة بخصائصها الخطرة في ساحات التداول؛ بسبب
تذبذبات أسعارها، وعدم وضوح اتجاهها. ذلك يعطي المتداولين الكثير من الفرص للربح،
وفي الوقت ذاته لا يخلو الأمر من احتمالات الخسارة. وبشكل عام، تميل العملات
المشفرة لأن تتحرك في توجه معين بشكل جمعي، فإذا كان توجه العملات المشفرة
المعروفة في ارتفاع، فإن بقية العملات المشفّرة تميل للارتفاع أيضا؛ وذلك لأنها
تعتبر أصولا متشابهة تقريبا في أغلب الخصائص، وعليها طلب مشترك. وهي خيار ممتاز
للتنويع بين الأصول في المحافظ المالية، وتمتاز بالسيولة العالية كذلك.
بناء على ذلك، كانت هناك العديد من التساؤلات والدراسات حول ما إذا
كانت العملات الرقمية ستستبدل العملة الورقية أو النقد، أي نظام المعاملات المالية
الحالي، فكان هناك العديد من المقارنات بين العملات المشفرة مع النقود والعملة
الورقية، من أجل معرفة ما إذا كان يمكن استبدال العملات الحالية للمعاملات
التجارية والاستخدام اليومي. على الرغم من أن تطور النقد مرّ على فترات طويلة من
الزمن، بدءا بنظام المقايضة، وصولا إلى زمننا الحالي بنظام العملات الورقية، نجد
أن العملات المشفّرة تطورت سريعا، ونموها يزيد من فرص نجاحها بشكل عام.
حتى تكون العملة ناجحة للاستخدام أو استبدال العملة الورقية، عليها أن
تمتلك خصائص المال المعروفة في كونها: وسيلة للتبادل، ومخزنا للقيمة، ووحدة
للحساب.
في الدراسة البحثية (Cryptocurrencies: market analysis and perspectives) والتي قام بها
باحثون مختلفون، وُضِعت دراسة حول ماهية استيفاء العملات المشفّرة لخصائص المال
الثلاثة، وتم أخذ البتكوين (Bitcoin) كمثال. وبناء على دراستهم المذكورة، وُجِد أن العملات المشفرة لا تفي
تمامًا بكل الخصائص الرئيسة للعملة الناجحة، فعلى الرغم من استيفائها خاصيتي وسيلة
التبادل، ووحدة الحساب، إلا أنها لم تنجح كمخزن للقيمة في حالة اعتبارها كعملة
عوضا عن المال الذي نستخدمه يوميا. يعود السبب في ذلك إلى ارتفاع تقلّبات الأسعار
الناجمة عن حركة البيع والشراء في ساحات التداول لها، لذلك قيمها غير مستقرة البتة.
سعر العملة المشفرة (هنا نعتبر البتكوين) متذبذب بشكل ملحوظ وهو أعلى من قيمة العملة
الوطنية. في يوليو 2017م، وصل سعر البتكوين إلى 1,975$ لكل بتكوين، وبعد خمسة أشهر وصل سعرها إلى 19,345$ لكل بتكوين.
لذلك مع تقلباتها المستمرة، لا يمكن للعملات المشفرة أن تستبدل العملة القومية
طالما لا تحتفظ بقيمة محددة.
ما نوقش في الأعلى لا ينفي قدرة العملات المشفّرة على خلق فرص وثروات
للأشخاص المحظوظين بالتداول فيها، حيث تحدّث Michael Saylor الرئيس التنفيذي لشركة (MicroStrategy) في بودكاست Odd Lots التابع لمنظمة Bloomberg عن تفاصيل
استثمار شركته في العملات المشفّرة، بوضع الفائض من السيولة في شراء البتكوين (Bitcoin)، لترتفع أسعار أسهم الشركة من 150$ إلى حوالي 300$ في أقل من سنة،
محققة بذلك معدل نمو قدرهُ 100%.
وتحدّثت Ashwini Anburajan في منصة تيد حول تمويل رأس المال للمشاريع الناشئة حديثا بالعملات المشفّرة،
حيث ذكرت في حديثها عن التعاون الجماعي بقيام عدة مشاريع ناشئة بالعمل على إصدار
عملة مشفرة جديدة والتداول بها، عن طريق (Initial coin
offering). وحينما عمل 30 مشروعا ناشئا كفريق واحد لإيجاد
قيمة حقيقية يمكنهم من استخدامها كمصدر لرأس المال، استطاعوا توسيع قاعدة المستثمرين،
وبالتالي، جعل الأمر أسهل خلال تداولها عبر الانترنت. وهنا تأتي قيمة التعاون عوضا
عن التنافس، حيث قام كل مشروع ناشئ مشارك في العملية بوضع 10% من أسهمه في صندوق
مشترك يتم تحويله فيما بعد إلى عملة مشفّرة يمكن تداولها. وكما أضافت، فإن ذلك
وفّر عليهم العمولات التي يدفعونها للوسطاء، ومكنهم من التنويع بشكل جيد.
4-
المسائل القانونية المتعلقة بالعملات المشفّرة
طُرحت العديد من الآراء حول المسائل القانونية والأخلاقية المتعلقة بامتلاك أو تداول العملات المشفّرة، كانت أولها من وجهة نظر السلطات التشريعية أو البنوك المركزية، حيث إنها لا تعطي التراخيص لجهات العرض أن تتداولها أو تموّلها، ولا تتحمل مسؤولية أي فرد يتداول بها كونها غير مرخصة، لكنها لا تمنعه من ذلك عالميا. الأسباب الحقيقية جرّاء المنع تكمن في إمكانية تسهيل العملات المشفرة لعمليات غسيل الأموال والتهرب الضريبي؛ نظرًا لأن المتداولين قادرون على البقاء مجهولين تمامًا. فيمكّن للمجرمين الفرص لشراء أو بيع أشياء محظورة قانونيا مع فرص ضئيلة للملاحقة. كما أن عمليات الاحتيال حول التداول أو امتلاك العملات المشفرة منتشرة بشكل كبير، وقد تكون أي جهة عرضة لذلك ما دامت تجهل الأمر. وكذلك كان للشريعة الإسلامية وجهة نظر في الأمر، حيث إنها تعتبر التداول في العملات المشفرة غير مقبول بسبب عدم وضوح ما سيحصل لاحقا، فيبدو الأمر وكأنه مراهنة، يضع الفرد ماله، فلا يدري هل يصيب أم يخيب. ولأن العملات المشفّرة مجال مفتوح، لا توجد سلطة عليا أو قوانين منظمة تجبر على إبقاء الأسعار في مجال معين، ولا بتعويض الخسائر لجهة معينة.
في النهاية، نعود للسؤال في العنوان، هل تنجح العملات المشفرة بكونها المستقبل كما يقول غالبية المحللين والاقتصاديين، أم أنها وهم سينتهي كما يزعم البعض؟ بالنظر إلى النمو السريع والتطور في التكنولوجيا المالية، فإن العملات المشفرة، بل النظام القائم على التقنية سيكون التوجه الرئيس في المستقبل، حيث إن الاقتصادات العالمية أصبحت تجهّز نفسها للتحول إلى اقتصادات ذكية، بالعمل على التقنية المالية والذكاء الاصطناعي وغيرهما.
كتابة: حميدة بنت محمد بن صالح العجمية
12 يناير 2021م
__________________________________________
المراجع:
Anburajan, A. (2018, May). How cryptocurrency can help start-ups
get investment capital. Retrieved from https://www.ted.com/talks/ashwini_anburajan_how_cryptocurrency_can_help_start_ups_get_investment_capital?language=en#t-335152

You are the best keep going 😍👏
ردحذف